9 أغسطس 2008السياسة عدوة العلم !! و ما أشبه اليوم بالبارحة
هناك الكثير من العرب يحبوا أن يفتخروا بماضيهم العلمي و المستوى المتقدم الذي وصلوا إليه في يوم ما، ناسين أو متناسين أن هذه الإنجازات ما كانت لتتم لولا الإسلام، و إلا كعرب فقد كانوا في الجاهلية قبل الإسلام قد وصلوا لقاع الإنحطاط الذي لم يصل إليه أحد قبلهم و لن يصل إليه أحد بعدهم إلا هم أنفسهم.
فالتقدم العلمي الذي كان موجوداً ، إنما وجد لوجود الإسلام الصحيح ، و ليس الإسلام المزيف الذي فرضته الدولة الأموية و من بعدها الدولة العباسية. و الدليل على ذلك أننا لو تتبعنا سيرة الدول في تاريخ كل الأمم لوجدناها لا بد أن تتبنى دينا معيناً تتسلط على رقاب الناس من خلاله سواء كان هذا الدين هو الإسلام أو النصرانية أو اليهودية (و إلا لماذا يدس الأمويون روايات على أن من وصل للحكم بقوة السيف هو إمام مفترض الطاعة و من يموت و ليس في عنقه بيعة له مات ميتة الجاهلية) .
و الدليل الأهم على صحة هذا الكلام هو أن معظم الإنجازات العلمية في تاريخنا حدثت ما بين سنة 90هـ و سنة 200هـ ، أي في نهاية الدولة الأموية التي كانت ضعيفة في ذلك الوقت و بداية الدولة العباسية التي كانت في مرحلة تأسيس للدولة و يهمها رضا الشعوب عنها. حتى أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة ظهروا في هذه الفترة ما عدا أحمد بن حنبل الذي ظهر في فتزة قوة الدولة العباسية ( في زمن المأمون) و الذي بطبيعة الحال لاقى من السجن و التعذيب الكثير الكثير لأنه جاء برأي يخالف رأي الدولة.
و في هذه الفترة لم تكن أوروبا بأحسن حالاً ، فكما قلت سابقاً ، كل دولة تحتاج لدين تتسلط على رقاب العباد من خلاله و قد أختارت المسيحية لذلك ، و الأدهى و الأمر أن أنظمة الحكم في أوروبا كانت أنظمة ملكية و قد أوعزت للكنيسة لكي تضفي عليهم شرعة دينية بحيث تعتبر ملوك أوروبا لديهم قداسة خاصة. و قد كانت الؤضاع السياسية في أوروبا تقوم على تبادل المنفعة بين السلط السياسية (الحكام) و السلطة الدينية (الكنيسة) و من مصلحة الطرفين أن يبقى الوضع على ما هو عليه. و إنتشار العلم يؤدي بطبيعة الحال إلى خلل في هذه الموازنة فكان من مهمة الكنيسة أن تضع حداً لأنتشار العلم و المعارف بين الناس و قد كان سبيلها في ذلك هو تحريم كل ما يمد للعلم بصلة و تكفير كل من يخالف ذلك. حتى قال أحد القساوسة :
ملعون من يقتنع أو يقبل تفسيراً علمياً لحوادث الطبيعة،خارجاً عن طاعة الرب،ومن يشرح أسباباً طبيعية لبزوغ كوكب أو فيضان فهو كافر،بل لمن يفسر علمياً شفاء قدم مكسورة أو إجهاض امرأة فتلك كلها عقوبات من الله أو من الشيطان أو هي معجزات أكبر من أن ندرك كنهها
حيث ينقل أن رئيس بلدية في ألمانيا صنع فانوساً يعمل على الغاز فحكمت عليه الكنيسة بكفره،وذلك لأن الله جعل الليل ظلاماً دامساً والنهار مضاء،واختراع مصباح ينير الليل مخالف لمشيئة وإرادة الله عز وجل .
و قد كان لديهم ما يعرف بمحكمة تفتيش العقائد التي كانت مهمتها أن تلاحق مرتكبين الفواحش و الذين لا يؤمنون بالمسيح و تقوم بجلدهم أو إعدامهم و الذي لا يصدق فاليقرأ عن ويل دورانت المؤرخ المعروف التي تحدث بإسها عن هذه الحقبة في كتابه المعروف “قصة الحضارة” المؤلف من ١١ مجلد و قد قرأت بعضاً منه و سأقتبس لكم بعضا مما ورد فيها. يقول ويل دورانت :
كان لمحكمة تفتيش العقائد نظام خاص للمحاكمة: فقبل أن يتشكّل ديوان المحاكمات في أيّة مدينة كانوا يبلّغون الناس «مرسوم الإيمان» من على منابر الكنائس،فكانوا يريدون محكمة التفتيش،فكانوا في الواقع يرغّبونهم في النميمة واتهام الجيران والأصدقاء والأقرباء،وكانوا يعدون السُعاة والوشاة بالسرّية التامة والحماية منهم،أما من كان يعرف ملحداً ولا يُفشي سرّه أو كان يأويه ويتستر عليه كان يُبتلى بالتكفير واللعن.
كتاب ممتاز جدا و أنصح من يستطيع الحصول عليه بأن لا يتوانى عن ذلك و في الختام لا أملك إلا أن أقول :



